Sunday, October 5, 2008

ومن الله علينا بزيارة بيته الحرام

بسم الله الرحمن الرحيم


كنت طوال الرحلة أحفظ في ذاكرتي المكتظة أصلا تفاصيل الرحلة الأولى الى الديار المقدسة، وأحاول استحضار كافة الدقائق لكي أفرغها فيما بعد على صفحات مدونتي وقصاصاتي الصغيرة، حتى التقيت بأحد الأشخاص الطيبين في صحن الكعبة المشرفة، وكان الكثيرون يلتقطون الصور، فأشار اليهم وهو متضايق بعض الشيء، قائلا، انظر كيف يلتقطون الصور ويتلهفون عليها أكثر من لهفتهم على الطواف أو تقبيل الحجر الأسود، أو حتى الصلاة في البيت الحرام، معظمهم يأخذون الصور ليوزعوها على أصحابهم ومعارفهم ليثبتوا ويتباهو ويتفاخروا بعمرتهم..

يا الله ... وهل بعد هذا رياء؟ وهل مدونتي الصغيرة هذه (التي قد لايتجاوز قراءها أصابع اليد) ستذهب الى ذات الرياء؟ وهل هذا هو هدفي وجل اهتمامي حقا؟!

شعرت بألارغبة لي بعد ذلك بتدوين الرحلة، وعوضا عن ذلك سأكتب عن بعض اللوحات التي شعرت بأهميتها وشغلت جزءا من تفكيري.

في المدينة المنورة الطيبة أهلها كنا على موعد بسيط مع خير البرية، استضافنا في مسجده الكبير، حيث انطلقت الفتوحات وتوسعت الأرض المسلمة ودخل الناس في دين الله أفواجا .. هنا يرقد إمام المرسلين وسيد النبيين وحبيبنا وشفيعنا المصطفى، عليه صلوات من الله وسلام.
شعور طيب وسكينة تتنزل في القلب المؤمن لعظمة المضيف وعظمة المكان وتاريخه، وفي أكناف هذا المكان كان لي لقاء بسيط مع بعض الوفود المسلمة التي أمت طيبة من مختلف بقاع الأرض، ففي ليلة السابع والعشرين حاولت حجز مكان مناسب لأسند نفسي في ليلة ستطول ان شاء الله ومانتمنى أن تنتهي.. وإذ بي أجلس في وسط مكان اعتكف فيه بضع أفراد من تركيا، إمام أحد المساجد ورواده، قرروا الانطلاق في عمرة في رمضان ونفذوا .. وقدر الله لنا اللقاء هنا في هذه البقعة المباركة، جلسنا وتجاذبنا أطراف الحديث، كنت أستعجب من النور الذي أراه في وجوههم والبسمة الدائمة في عيونهم، ومحبتهم ودعائهم لجميع المسلمين، رغم الظروف الصعبة التي تمر فيها الحركة الإسلامية في تركيا المتأتركة غصبا، وكنت شديد الفرح للهمة والعزيمة التي تتفجر في قلوبهم وهم يتحدثون عن الصحوة والعودة الى رحاب الاسلام الذي يروه في تركيا كل يوم، يا الله ... هؤلاء يفتنون في دينهم ويحاربون ويقاطعون لأجل ذلك، ومازادهم الا إيمانا وتسليما... أما نحن نعيش في عالم آخر لانعلم ولانهتم ولانساعد حتى بالدعاء لإخواننا هناك! ... كم نحن مقصرون في حق الله وحق الاسلام وواجبنا تجاه رسالتنا العظيمة.



بعد جلستنا هذه وجدت نفسي أتحدث مع أحد المسلمين من الهند، وأخذتنا الاحاديث الى الهند، وبساطة الناس وبساطة تدينهم، حيث أنهم يحتاجون الجهد الكبير لتصحيح عقائدهم ودينهم ووضعهم على الطريق الصحيح، ان ما نعانيه فعلا في مجتمعنا الإسلامي هو سوء الصورة التي ننقلها نحن المسلمون، بتطبيقنا السيء والمنتقى والمجتزأ لدين الله، فلسنا سوى أشخاص يدعون الإسلام ويفعلون كل ماهو يناقضه، ومن ثم نستعجب من العالم الغربي وغير المسلمين كيف أنهم لايرون الدين الحق!! وأين يروه؟ فينا؟ في قلوبنا؟ في عقولنا؟ في تصرفاتنا؟ في أخلاقنا؟ في معاملاتنا؟!
اذن فلسنا مقصرين في حق أنفسنا فقط، بل وفي حق دعوتنا وديننا، فتقصيرنا سيلاحقنا في كل مكان، على الصعيد الشخصي في علاقتنا بخالقنا، وفي الصورة السيئة التي نلصقها بأنفسنا للإسلام!

تصادف ذلك مع قرائتي لكتاب "خواطر على طريق الدعوة" للشيخ "محمد حسان" وهو كتاب قيم جدا، يفتح الأعين والقلوب على ثقل الحمل الملقى على الإنسان (إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان انه كان ظلوما جهولا) فكل المسلمين وأرض المسلمين هي مسؤولية كل فرد، ومساعدة المسلمين في الخارج وتبيين أمور دينهم وتصحيح عقائدهم ومناهجهم هو واجبنا جميعا!

بعد هذه الأحاديث البسيطة عدنا الى الجماعة التركية وجلسنا للسحور معا، وكانت من أطيب الجلسات والحمدلله، وبعد الفجر ودعتهم وافترقنا حيث كانت قافلتي ستتجه يومها الى أشرف بقاع الأرض، الى البيت الحرام.

أما في البيت الحرام فكان لي لقاء مختلف تماما، فبعد ليلة الختمة المباركة وقبل صلاة التهجد، توجهت مع بعض رفاق الرحلة الطيبين الذين تعرفت عليهم الى صحن الكعبة، حيث كان عدد الطائفين قليلا نسبيا، وعدد "المصطافين" على ضفاف الصحن قليلا أيضا مما يسمح لنا "بفرش" سجاجيدنا والجلوس في مواجهة الكعبة المشرفة.
بدأت بركعتين نافلة بينما ذهب أحد صديقي لقضاء حاجته، وإذ بأحد الأفارقة يجلس مكانه! أتممت صلاتي ثم عزمت التحدث إليه لأبين له أنه مكان صاحبي... الخ. فواجهني بابتسامة أربكتني وأسقطت خطة الهجوم التي صادقت عليها!
كان الأخ سعد من نيجيريا، وبما أنني زرت نيجيريا قبل عام وشهر تقريبا (أول يوم في رمضان الفائت) كنت أعرف القليل عنها وأحوالها، وأخذتنا الأحاديث (بالانجليزية طبعا) الى أن اكتشفت أنه مشرف وموجه لغة عربية!! فأكملنا الحديث بالعربية، نيجيريا بلد ضخم، تعداد سكانه قرابة ال 140 مليون ونسبة المسلمين فيها قرابة ال60 %.. وحيث أن الأخ العزيز من ولاية في نيجيريا تسمى كانوو، أخذ يحدثني عنها بأنها أكبر الولايات المسلمة هناك بنسبة 99% من المسلمين، والحكم فيها حسب الشريعة الإسلامية، وأن اللغة الرسمية هناك هي العربية، حتى أن أبناءها كانوا لايستطيعون العمل في وظائف خارج قطاع التعليم لعدم معرفتهم باللغة الإنجليزية الى بدأووا في تعليمهم الإنجليزية الى جانب العربية.
هذه الولاية كانت مركز انطلاق قوافل الجهاد والفتح الإسلامي الى كافة الولايات الإخرى في نيجيريا، الى أن انتشر دين الله تعالى في كافة بقاع البلاد وماحولها.

ما أثار انتباهي وغيظي وحنقي هو أن الأخ العزيز قد اعتمر خمس مرات وحج أربع مرات، بينما نحن في الأردن ليس مسموح لنا بأن نحج قبل أن نصل أرذل العمر ونحج على الكراسي المتحركة ان استطعنا ذلك أصلا!!



كان هذا لقاء دافئا بين مجموعة من المسلمين الذين فرقت بينهم المساحات الشاسعة، وجمعتهم كلمة التوحيد. ربما هذا هو أكثر ما شغلني خلال الرحلة، واجبنا نحو جميع الأمم المسلمة المظلومة والمقهورة والتائهة، ابتداء بفلسطين الحبيبة المغتصبة، وغزة الجريحة المحاصرة الصامدة ومرورا بكافة مناطق الظلم والاستبداد والقلاقل كالشيشان ولبنان وأفغانستان والصومال والسودان والفلبين والبوسنة وتركيا ونيجيريا والعراق.... والقائمة طويلة فعلا..

لقد من الله علينا بزيارة المسجد الحرام والمسجد النبوي والتعبد فيهما خلال شهر الخير والبركات، و اتباعا لأمر الحبيب المصطفى (لاتشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد...) ندعوا الله أن يمن علينا بفتح قريب، وشد الرحال الى المسجد الأقصى المبارك، فاتحين منتصرين مكبرين مهللين، ويومئذ يفرح المؤمنون.

No comments: